الشنقيطي
178
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إذا خرصتم فخذوا ، ودعوا الثلث ، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع » فإن قيل في إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن سهل بن أبي حثمة . وقد قال البزار : إنه انفرد به ، وقال ابن القطان لا يعرف حاله ، فالجواب أن له شاهدا بإسناد متفق عليه على صحته « أن عمر بن الخطاب أمر به ، قاله الحاكم ، ومن شواهده ما رواه ابن عبد البر عن جابر مرفوعا « خففوا ، في الخرص » الحديث ، وفي إسناده ابن لهيعة . وممن قال بهذا القول الإمام أحمد ، وإسحاق ، والليث ، وأبو عبيد وغيرهم ، ومشهور مذهب مالك ؛ والصحيح في مذهب الشافعي أن الخارص لا يترك شيئا . قال مقيده عفا اللّه عنه : والقول بأنه يترك الثلث أو الربع هو الصواب لثبوت الحديث الذي صححه ابن حبان ، والحاكم بذلك ، ولم يثبت ما يعارضه ، ولأن الناس يحتاجون إلى أن يأكلوا ويطعموا جيرانهم وضيوفهم ، وأصدقاءهم ، وسؤالهم ، ولأن بعض الثمر يتساقط وتنتابه الطير وتأكل منه المارة ، فإن لم يترك لهم الخارص شيئا . فالظاهر أن لهم الأكل بقدر ما كان يلزم إسقاطه ، ولا يحسب عليهم . وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه اللّه ، وهو مقتضى ما دل عليه الحديث المذكور ، فإن زاد الثمر أو نقص عما خرصه به الخارص ، فقال بعض العلماء : لا زكاة عليه فيما زاد ، وتلزمه فيما نقص ، لأنه حكم مضى . وقال بعضهم : يندب الإخراج في الزائد ، ولا تسقط عنه زكاة ما نقص . قال مقيده عفا اللّه عنه ، أما فيما بينه وبين اللّه ، فلا شك أنه لا تجب عليه زكاة شيء لم يوجد ، وأما فيما بينه وبين الناس ، فإنها قد تجب عليه قال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره ، وإن زادت على تخريص عارف فالأحب الإخراج ، وهل على ظاهره أو الوجوب تأويلان . قال شارحه المواق من المدونة : قال مالك : من خرص عليه أربعة أوسق فرفع خمسة أوسق أحببت له أن يزكي ابن يونس ، قال بعض شيوخنا : لفظة أحببت ها هنا على الإيجاب ، وهو صواب كالحاكم يحكم بحكم ، ثم يظهر أنه خطأ صراح ابن عرفة ، على هذا حملها الأكثر ، وحملها ابن رشيد ، وعياض على الاستحباب . قال مقيده عفا اللّه عنه : ووجوب الزكاة في الزائد هو الأظهر ، وعليه أكثر المالكية ، وهو الصحيح عند الشافعية ، وأما النقص ، فإذا ثبت ببينة أنها نقصت عما خرصت به ، فالظاهر أنه تسقط عنه زكاة ما نقصت به ، وإن ادعى غلط الخارص . فقد قال بعض أهل العلم : لم تقبل دعواه لأن الخارص أمين ، وقال بعض العلماء : تقبل دعواه غلط الخارص ، إذا كانت مشبهة ، أما إذا كانت بعيدة ، كدعواه زيادة النصف ، أو